ابن قيم الجوزية

61

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

يحب ثوابه وما يخلقه له من النعيم الذي يتمتع به . إلا أنه يحب ذاته . فجعلوا المحبة لمخلوقه دونه . وحقيقة العبودية هي كمال المحبة . فأنكروا حقيقة العبودية ولبّها . وحقيقة الإلهية : كونه مألوها محبوبا بغاية الحب ، المقرون بغاية الذل والخضوع ، والإجلال والتعظيم . فأنكروا كونه محبوبا . وذلك إنكار لإلهيته ، وشيخ هؤلاء : هو الجعد بن درهم الذي ضحّى به خالد بن عبد اللّه القسري في يوم أضحى . وقال : ( إنه زعم أن اللّه لم يكلم موسى تكليما ، ولم يتخذ إبراهيم خليلا ) وإنما كان إنكاره : لكونه تعالى محبوبا محبا ، لم ينكر حاجة إبراهيم إليه ، التي هي الخلة عند الجهمية ، التي يشترك فيها جميع الخلائق . فكلهم أخلّاء للّه عندهم . وقد بينا فساد قولهم هذا وإنكارهم محبة اللّه من أكثر من ثمانين وجها في كتابنا المسمى « قرة عيون المحبين ، وروضة قلوب العارفين » وذكرنا فيه وجوب تعلق المحبة بالحبيب الأول من جميع طرق الأدلة النقلية والعقلية والذوقية والفطرية وأنه لا كمال للإنسان بدون ذلك البتة ، كما أنه لا كمال لجسمه إلا بالروح والحياة ، ولا لعينه إلا بالنور الباصر ، ولا لأذنه إلا بالسمع ، وأن الأمر فوق ذلك وأعظم . الصنف الثاني : القدرية النفاة ، الذين يثبتون نوعا من الحكمة والتعليل ، ولكن لا يقوم بالرب ، ولا يرجع إليه . بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته . فعندهم : أن العبادات شرعت أثمانا لما يناله العباد من الثواب والنعيم ، وأنها بمنزلة استيفاء أجرة الأجير . قالوا : ولهذا يجعلها اللّه تعالى عوضا كقوله : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الأعراف : 43 ] وقوله : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النّحل : 32 ] وقوله : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ النّمل : 90 ] وقوله صلى اللّه عليه وسلم - فيما يحكي عن ربه عزّ وجلّ - : « يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها » وقوله تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزّمر : 10 ] . قالوا : وقد سماه اللّه سبحانه جزاء وأجرا وثوابا . لأنه يثوب إلى العامل من عمله ، أي يرجع إليه منه « 1 » . قالوا : ولولا ارتباطه بالعمل لم يكن لتسميته جزاء ولا أجرا ولا ثوابا معنى . قالوا : ويدل عليه الوزن . فلو لا تعلق الثواب والعقاب بالأعمال واقتضائها لها ، وكونها كالأثمان لها ، لم يكن للوزن معنى . وقد قال تعالى : وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 8 ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ( 9 ) [ الأعراف : 8 ، 9 ] .

--> ( 1 ) إنما كان الجزاء ثوابا - واللّه أعلم - لأنه يثوب إلى العامل ، وترجع إليه ثمرة عمله في الدنيا لينقدها ويحاسب نفسه عليها ، ويعرف ما في عمله من نقص وانحراف عن الجادة - ولا بد - بقدر ما وجد في ثمرته التي ثابت . ورجعت إليه في الدنيا ، ككل الشؤون والأعمال الدنيوية ، من صناعة وزراعة وتجارة وغيرها ، فيتدارك العبد النقص ، ويتحرى الصراط المستقيم . فإذا لم ينقد عمله ، ولم يحاسب نفسه ، لما يغلب عليه من الغفلة والجهالة والتقليد الأعمى ، كان ذلك قاطعا لعذره يوم القيامة .